الشيخ محسن الأراكي

19

نظرية الحكم في الإسلام

غالبة ، فيها تتجسّد الشخصيّة الاجتماعية للأفراد ، وبها تحقّق المجموعة الإنسانية مقاصدها وأهدافها . فالإرادات الفردية هي مصدر الإرادة الاجتماعية ، وبتراكم الإرادات الفردية وانسجامها تتبلور الإرادة الاجتماعية التي تجسّد شخصيّة المجتمع ، وتسخّر إمكانيّاته ، وتعبّأ طاقاته في سبيل تحقيق أهداف المجموعة وآمالها ومقاصدها . وفي المجتمعات - غالبا بفعل التفاوت في المواهب الطبيعية التي أودعها اللّه سبحانه في الناس ، أو بفعل اختلافهم في تطوير طاقاتهم الفردية ، أو نتيجة للحالة الطبقية ، أو الاستئثار ، أو عوامل مختلفة أخرى - يتّفق كثيرا أن يهيمن فرد متميّز أو مجموعة قليلة متميّزة على إرادات فردية كثيرة ، فتصهرها في إرادة الفرد أو المجموعة المهيمنة ، وتصبح الإرادة الاجتماعية الغالبة تابعة لإرادة الفرد أو الأقلّية المتميّزة ، وبها تتمثّل شخصيّة المجتمع وقوّته التي تحدّد مصيره . وسواء انبثقت الإرادة الاجتماعية من إرادات فردية متكافئة أو غير متكافئة ؛ فإنّ القوّة التي تتبلور في السلطة السياسية تنبع من هذه الإرادة الاجتماعية التي تعبّر عن الإرادة الغالبة . هذا هو الواقع الذي يعبّر عن طبيعة المجتمع الإنساني ، فإنّ الإرادة الغالبة هي مصدر قوّة السلطة السياسية ، وهي حقيقة كونية طبيعية يدلّل عليها الواقع المعاش والتجربة الاجتماعية في الماضي والحاضر . ومن هنا يتّضح أنّ الدور الحقيقي الذي يمكن لإرادة الجماهير أن تلعبه في تكوين السلطة هو : تكوين الإرادة الغالبة التي تتبلور فيها قوّة السلطة وقدرتها التي بها توجد ، وبها تستمرّ وتدوم . فإنّ تراكم الإرادات الفردية وانسجامها يمكن أن يؤدّي بطبيعته إلى تكوين الإرادة الغالبة ، والإرادة الغالبة هي التي توجد السلطة وتديمها ، ولا يمكن لأيّة إرادة أن تكون صاحبة السلطة الفعلية في المجتمع - مهما اتّصفت به من عناصر القوّة الذاتية والرشد والكمال - ما لم تتمكّن من الهيمنة على مجموعة من